النقل السري، دعوة للمأسسة (إقليم تاونات نموذجا)
- الجزء الأول -
عبد النبي الشراط
نحن نتحدث عن كل شيء، ونكتب عن كل شيء، ونتجادل في كل شيء، لكن هناك مواضيع نعيشها يوميا، ونستفيد منها دائما، ونستعملها بحياتنا كليا، لكننا نتجاهل الحديث عنها، وكأنها من “الطابوهات” المحرمة.
نتطرق في المقال التالي لظاهرة من أهم الظواهر الموجودة في الحياة المغربية
لكننا لا نغيرها اهتماما بالرغم من أهميتها ودورها في حياة الناس.
هذه الظاهرة تدعى ب “النقل السري” ويمكن تسميتها أيضا بظاهرة “النقل العشوائي” لأن كل عمل غير منظم وغير مقنن، يعتبر عشوائيا، مثل ظاهرة “البناء العشوائي” ونحن نختلف كليا مع من يسمي هذه الظاهرة بالنقل السري، لأنها تسمية غير دقيقة، فمن ناحية لا تعتبر هذه الظاهرة “سرية” لأنها تمارس في العلن أمام الناس، وأمام أعين السلطة وكل الجهات الرقابية في المجتمع، وكذلك الناس يلجأون إلى استعمال هذا النوع من النقل لأسباب متعددة.
أولاها، أن الذين يمارسون هذه المهنة يقدمون تسهيلات كبيرة للمسافرين الذين يستعملزن عرباتهم، فالسائقون ينقلون زبنائهم (من باب الدار حتى لباب الدار) وهذا غير موجود على الإطلاق في وسائل النقل الرسمية والمقننة،.
ثانيا: يقوم أصحاب هذه المهنة بخدمات توصيل الزبناء إلى مداشر ودواوير ومناطق نائية لا يمكن للنقل المقنن أن يصل إليها، على سبيل المثال، الطاكسيات المقننة أو ااباصات (الكيران) تنقلك من محطة إلى أخرى فقط، وقد تصل ليلا لمنطقة تجهلها فتتعرض للكثير من المشاكل، أو تبدأ رحلتك مع الطاكسيات الصغيرة حيث يتعامل أغلب سائقوها بمزاجية خاصة مع الزبناء… وغير هذا كثير…
ثالثا: يمتاز سائقو “النقل السري، العشوائي” بمرونة كبيرة مع زبنائهم ويتعاملون معهم على أساس الثقة والاحترام، وحسب علمي لم يسبق لهؤلاء أن قاموا بأعمال مخلة تجاه زبنائهم من النساء والرجال على السواء، حتى إذا كنت لا تملك نقودا لن يتركوك في الخلاء.
هي صفاة قد لا تتوفر عند الكثيرين من المهن الأخرى المقننة، ولذلك فنحن نرى أنه يجب تقنين هذه المهنة، وستكون الدولة هي الرابحة طبعا، لأن هؤلاء سيصبحون من دافعي الضرائب، وستتمكن الدولة من الحصول على ميزانية مهمة إذا ما فكرت في “تقنين” هذه المهنة، فلقد قننت الدولة زراعة المخدرات فلماذا لا تقنن النقل السري؟
إذا أخذنا إقليم تاونات كنموذج لهذه المهنة غير المقننة، فإننا نرى بأعيننا أن هناك محطات شبه رسمية مخصصة لهؤلاء، الذين يأتونهم الزبناء من كل مكان، فيتجاهلون وسائل النقل الأخرى ويفضلون هذه الوسائل التي تنقلهم بأمان من مكان لآخر، من مدينة لأخرى، دون أن تحصل مشاكل.
وعلى صعيد آخر وبالنظر لأن الإقليم شاسعا ويتوفر على الكثير من الأسواق الأسبوعية، فنرى وترى أجهزة السلطة كلها أن من ينقل زوار الأسواق من بيوتهم ودواويرهم إلى الأسواق هم أصحاب “النقل السري” فيدخلون الأسواق بالركاب ويخرجون منها بالركاب، دون أن يحصل شيء، لكن مأساة هؤلاء تكمن في وضعهم مع جهة الدرك الملكي، ولا ندري لماذا يقوم رجال ونساء الدرك الملكي بإيقاف هؤلاء عند بوابات الأسواق الأسبوعية، فينزل السائق (ليتفاوض) مع الدركي دقائق ثم يصعد لمركبته ويتابع مسيره دون مشاكل، لكننا لا ندري ما يجري بين الأطراف خلال دقائق المفاوضات…
وما دام الحال هكذا فلماذا لا تفكر الجهات الوصية على النقل بتقنين هذه المهنة، أو السماح لهؤلاء بنقل الناس دون اللجوء للعقوبات الزجرية التي تتمثل أحيانا في سحب رخصة السياقة، وحجز المركبة لأسابيع؟
إننا نرى أن هذه الفئة تخدم بشكل كبير المسافرين وتقدم لهم خدمات آمنة يرضون عنها؟
(يتبع)