الصحة مريضة بتاونات : هل تخفي مسارات التمويل والصفقات العمومية نفوذ لوبيات داخل دواليب القرار ما تسبب في أزمة متواصلة؟
يونس لكحل

في إقليم تاونات لم يعد الحديث عن الوضع الصحي مجرد توصيف لنقص طبيب أو تعطل جهاز، بل تحول إلى سؤال بنيوي عميق حول موقع الإقليم داخل خريطة القرار الصحي الوطني. فالمؤشرات الميدانية المتكررة، من خصاص الأطر الطبية والتمريضية إلى ضعف التجهيزات وتأخر تشغيل بعض البنيات، لا يمكن اختزالها في شماعة “ الإكراهات العامة !” التي ترفعها الإدارات عادة لتبرير التعثر. فحين يتكرر الخلل بنفس النمط لسنوات، رغم تعاقب البرامج والإعلانات والزيارات الرسمية، يصير من الواجب الانتقال من النقد السطحي إلى تفكيك هندسة القرار نفسه :
كيف تُبرمج المشاريع ؟ من يحدد سقف الاعتمادات المالية المخصصة للاقليم ؟ كيف توزع التجهيزات ؟ ومن يملك سلطة ترتيب الأولويات ؟
فالقطاع طبعا يخضع لإشراف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عبر مصالح مركزية وجهوية، ضمنها المندوبية الجهوية بجهة فاس مكناس، و المندوبية الإقليمية في تاونات تعد الحلقة الأضعف في سلسلة القرار، إذ يُفترض بها أن تنقل الحاجيات الفعلية للساكنة، لكنها عمليًا تتحرك داخل هامش إداري ضيق، مقيدة بتراتبية بيروقراطية تجعل قدرتها على التأثير في البرمجة والميزانية محدودة للغاية. ومن هذه المنطلقات يبرز أول سؤال استقصائي : إذا كانت البرمجة مركزية والتمويل يُرصد مركزيًا، فكيف يُضمن ألا تبقى الأقاليم ذات الهشاشة المجالية في آخر ترتيب الأولويات؟ وهل تعتمد معايير موضوعية شفافة في توزيع الاعتمادات!، أم أن موازين القوة غير المعلنة تلعب دورًا في توجيه الاستثمار الصحي على المستوى المركزي والجهوي ؟
فمصالح الصفقات والبرمجة ليست مجرد جهاز تقني، بل هي العقل الذي يحدد طبيعة المشاريع وصياغة دفاتر التحملات وسقف الاعتمادات ومسار الإسناد والتنفيذ، ومن خلالها يتقرر عمليًا شكل العرض الصحي على الأرض. وعند تحليل مسار عدد من المشاريع بالإقليم يلاحظ نمط يثير القلق منذ سنوات : الإعلان عن مشاريع دون استكمال شروط تشغيلها، اقتناء تجهيزات دون ضمان صيانتها أو توفير الموارد البشرية اللازمة لتشغيلها بكامل طاقتها، تأخر في إخراج بعض البنيات إلى الخدمة الفعلية، ودورات طويلة من الدراسات والخبرات التقنية قد تستغرق زمنًا أطول من الإنجاز نفسه. مما يكشف عن اختلالات محتملة في هندسة القرار أو في ترتيب الأولويات أو في آليات التتبع والمساءلة. وإذا كانت لجان المراقبة مركزية كانت أو جهوية موجودة من الناحية المؤسساتية لمواكبة تنزيل المشاريع ومراقبة فعالية البرامج …، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو : هل تمارس هذه اللجان رقابة فعلية قائمة على مؤشرات قياس الأثر والنجاعة، أم تكتفي بتقارير إجرائية لا تلامس عمق الاختلال ؟ بإستمرار هكذا تردي رغم توالي البرامج الوطنية والزيارات الوزارية ، مما يطرح فرضيات مشروعة تشير بأن اشكاليات الضعف وهذا الواقع الصحي المريض بالاقليم ليست فقط في حجم الموارد، بل في كيفية تدبيرها، وفي البنية التي تحكم مسارها من المركز إلى الجهة فالإقليم.
وفي مثل هذه السياقات، يصبح الحديث عن وجود “ لوبيات مفترضة ” داخل دواليب القطاع تتحكم في المنظومة وتبعاتها الإجرائية تعد من الأسباب الأساسية في استمرار اهتراء القطاع بكل ربوع الإقليم منذ سنوات ولو تغير الوزراء ! … فالقول بوجود ” لوبيات” ضاغطة محتملة تكرس الضعف والهوان يعد تحليلا منطقيا لا اتهامًا جاهزًا، لأن كل منظومة إدارية كبيرة تتشكل داخلها دوائر تأثير قادرة، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تسريع ملفات معينة وتأخير أخرى، أو على ترجيح كفة مشاريع دون غيرها وفق اعتبارات قد لا تكون معلنة بالكامل للرأي العام. والمؤشرات الحالية المتراكمة تفرض التساؤل : لماذا يظل الإقليم متأخرًا في مؤشرات العرض الصحي مقارنة بحاجياته الديمغرافية والجغرافية ؟ ولماذا لا تنعكس الميزانيات المعلنة على تحسن ملموس في جودة الولوج إلى العلاج ؟ وهل تعيش تاونات أزمة إمكانيات فقط، أم أزمة تموقع داخل حق الولوج للصحة بحقوق كاملة ، فالعدالة المجالية في القطاع الصحي لا تقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرتها على تحسين استفادة المواطنين فعليًا من عرض صحي بمواصفات جيدة تضمن الحقوق ..، وإذا كانت المندوبية الإقليمية تبدو في موقع دفاع دائم عبر إصدار بلاغات لا يقرأها احد ! ، لانها تبرر الخصاص وتنتظر الاعتمادات دون سلطة تقريرية حقيقية، فإن تحميلها المسؤولية كاملة قد يخفي خللاً أعمق في مركز القرار…
كما ان المطلوب اليوم ليس الإكتفاء برصد الأعطاب، بل فتح نقاش مؤسساتي جريء حول معايير البرمجة، شفافية الصفقات، فعالية لجان التتبع، وربط المسؤولية بالمحاسبة عند تعثر المشاريع أو ضعف أثرها، لأن صحة المواطنين ليست مجالاً للتجاذب الإداري أو الحسابات الضيقة، بل معيارًا حاسمًا لقياس جدية الدولة في ضمان الحق الدستوري في العلاج. ففي النهاية، يبقى السؤال المركزي الذي ينبغي أن يؤطر أي تحقيق صحفي : هل ما يحدث في تاونات نتيجة إختلالات تدبيرية قابلة للإصلاح السريع، أم أنه انعكاس لبنية قرار تحتاج إلى مراجعة عميقة تضمن ألا يبقى الإقليم في هامش الخريطة الصحية الوطنية ؟
فإقليم تاونات منذ سنوات يعاني من خلل طويل الأمد في منظومة الصحة العمومية، من خلال ضعف التجهيزات، نقص الأطر الطبية، تدني جودة الخدمات، وضعف البنية التحتية في مراكز الاستقبال والولادة والطوارئ، وهو ما يؤثر سلبًا على صحة وسلامة الساكنة.
ولذلك فدور البرلمانيين المنتخبين بالإقليم يصبح حتميًا للوقوف على أسباب استمرار هذه الإشكالات، وذلك من خلال البحث، التحقيق، والمساءلة أمام السلطة المركزية، وفقاً للمهام التشريعية والرقابية الموكلة إليهم…