تدبير الأزمات بين منطق الدولة وخطاب التشويش : قراءة تحليلية في جدل مساعدات متضرِّرِي إقليم تاونات
في اطار ما تم ترويجه حول مآل المساعدات الموجهة لمنكوبي الفيضانات بإقليم تاونات، يفرض النقاش الجاد نفسه بعيدًا عن الانطباعات السريعة والأحكام الجاهزة ، عبر استحضار قراءة تحليلية بشكل هادئ ، وذلك عبر تفكيك المعطيات، وقراءة السياق، والتمييز بين ما هو واقعي موثق وما هو مجرد سرديات متداولة تفتقد للسند …
وأول مستوى في التحليل يتعلق بـطبيعة المعطيات المتداولة، فقد جرى الترويج لفكرة مفادها أن بنك التغذية باقليم تاونات توصل بمساعدات متنوعة، من بينها أغطية، وهو ما لا يجد ما يسنده على مستوى الوقائع، باعتبار ان الثابت وفق المعطيات الميدانية، هو أن المساعدات التي تم تسلمها اقتصرت على 700 قفة، جرى استلامها في إطار رسمي حضره ممثل لجنة الدعم للجمعيات بالإقليم إلى جانب ممثلي السلطات المحلية والإقليمية. وهذه الإشارة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل أساسية لأنها تكشف أولى حلقات الخلل في الخطاب الذي يتم الترويج له ، ذاك الذي انطلق من معطيات غير دقيقة، ليبني عليها استنتاجات واسعة بل واتهامات !! .
والمستوى الثاني من التحليل وجب ان يرتبط بـمنهجية توزيع المساعدات…
فالحديث عن اختلالات أو تلاعب يفترض، منهجيًا، وجود خلل في المعايير أو في التنفيذ. غير أن المعطيات تشير إلى أن عملية التوزيع شملت 49 جماعة بالإقليم، واستندت إلى إحصاءات ميدانية مدروسة وموثقة، ما يؤكد انه تم اعتماد مقاربة ترابية شاملة تراعي حجم الضرر وامتداده ،مما يبرز الفرق بين منطق التدبير المؤسساتي القائم على المعطيات والوقائع والمحاضر المنجزة باعتبارها إدارة مؤسسة تمثل سلطة الدولة ووزارة …، ومنطق الخطاب الانطباعي الذي يختزل العملية في تصورات غير مدققة تقف وراءها حسابات ضيقة ما .!!
أما المستوى الثالث، فهو سياق تدبير الأزمة. بحيث يستدعي استحضار أن هذه العمليات تمت في ظل وضعية مناخية استثنائية، تتطلب سرعة في التدخل ومرونة في اتخاذ القرار، دون الإخلال بالقوانين المنظمة… وفي هذا الإطار، أبانت السلطات الإقليمية والمحلية عن اشتغال متواصل، قائم على التنسيق بين مختلف المتدخلين، وعلى الحياد في تحديد المستفيدين، وهو عنصر حاسم في مثل هذه السياقات لتفادي أي إحساس بالإقصاء أو التمييز.
غير أن ما يثير الكثير من الاستغراب والذي وجب الوقوف عنده بعمق، هو طبيعة ما يتم الترويج له، فهذه الخطابات التلفيقية لم تكتفي بطرح تساؤلات مشروعة، بل انتقلت بسرعة فائقة إلى مستوى الاتهام المباشر، بل والتخوين أحيانًا، دون تقديم أدلة مادية واضحة. وهنا يظهر انزلاق من النقد المشروع إلى ما يمكن تسميته بـ“التشويش الخطابي”، حيث يتم استبدال الحجة بالإيحاء، والمعطى بالتلميح وهو تناقض فاضح لهذه السرديات الباطلة : فمن جهة، يتم الجزم بوجود اختلالات والترويج لها كحقائق ثابتة ! ، ومن جهة أخرى يتم المطالبة بتوضيحات من السلطات. ما يحوله إلى تناقض يكشف أن الهدف ليس بالضرورة البحث عن الحقائق ، بل الهدف الأسمى عند (هؤلاء) هو الاستمرار في إثارة الجدل، بما يخدم حضورًا معينًا في الفضاء العام باعتبار ان الانتخابات اقتربت !!.
مما يؤكد على ضرورة عدم فصل هذا التصعيد عن السياق السياسي والزمني، حيث تميل بعض الجهات السياسية ، مع اقتراب المحطات الانتخابية، إلى رفع منسوب الخطاب الاحتجاجي، ولو على حساب الدقة والموضوعية !، فيتحول النقاش من تقييم السياسات العمومية إلى توزيع الاتهامات في كل الاتجاهات ، وطبعا تُستعمل قضايا إنسانية واجتماعية كأدوات للصراع الرمزي…
كما انه ومن زاوية قانونية، فإن إطلاق اتهامات دون سند لا يندرج ضمن حرية التعبير المسؤولة، بل قد يرقى إلى مستوى المساس بالمؤسسات، خاصة عندما يتعلق الأمر بهيئات تمثل الإدارة الترابية وسلطة الدولة على المستوى الإقليمي. ومن خلال ذلك تبرز القاعدة القانونية الواضحة: البينة على من ادعى، باعتبارها أساسًا لضبط التوازن بين حرية التعبير وحماية المصداقية العامة.
والاكيد الآن أن ما جرى في تاونات يكشف عن مفارقة واضحة بين منطقين متقابلين:
منطق مؤسساتي يرتكز على المعطيات، التدبير الميداني، واحترام المساطر؛
واللا منطق ( الخزعبلي) ذاك الذي يقوم على التهويل، الكذب البهتان وترويج المغالطات مع تغليب الإثارة على الدقة،
وبين هذين : المنطق المؤسساتي واللامنطق الغارق في أوحال جهات سياسية تبحث عن موطأ قدم ، يبقى الرهان الحقيقي هو ترسيخ نقاش عمومي مسؤول، قوامه المعطيات الموثقة، والنقد البناء، بعيدًا عن المزايدات التي قد تسيء أكثر مما تفيد، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا إنسانية تتطلب قدرًا أكبر من الجدية والاحترام …