*الذكاء الاصطناعي بالمغرب.. فرصة للتطوير أم تهديد لبعض المهن؟*

فاطمة مسعودي/ فاس

يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية متسارعة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي انتقل في ظرف سنوات قليلة من كونه تقنية متخصصة إلى أداة تُستعمل في التعليم والإدارة والصحة والإعلام وغيرها من المجالات. وفي المغرب، بدأ هذا التحول يفرض نفسه تدريجياً داخل المؤسسات والشركات وحتى في الحياة اليومية للمواطنين، في إطار التوجه الوطني نحو الرقمنة وتحديث الإدارة العمومية.
ويرى عدد من الخبراء أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً واعدة لتحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات وتبسيط الإجراءات الإدارية، خاصة مع اعتماد المغرب لعدة إصلاحات قانونية وتنظيمية تهدف إلى تحديث المرفق العمومي. ومن أبرز هذه الإصلاحات القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، الذي جاء لترسيخ مبادئ الشفافية، وتقليص الوثائق المطلوبة من المواطنين، وتحديد آجال واضحة لمعالجة الطلبات، إلى جانب تشجيع رقمنة الخدمات الإدارية وتسهيل الولوج إليها.
كما يندرج هذا التوجه ضمن الاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030” التي تراهن على جعل المملكة قطباً إقليمياً في مجال التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، عبر تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الابتكار، وتكوين الكفاءات الرقمية، وتشجيع الاستثمار في المجالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. وقد خصصت الحكومة استثمارات مهمة لهذا الورش، مع طموحات لخلق آلاف فرص الشغل ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج الداخلي الخام.
وفي المقابل، تثير هذه التحولات مخاوف متزايدة بشأن مستقبل بعض المهن التي أصبحت أجزاء من مهامها قابلة للأتمتة. فمجالات مثل خدمة الزبناء، وإدخال البيانات، وبعض الأعمال الإدارية والمكتبية، قد تعرف تغيرات جوهرية خلال السنوات المقبلة بفعل اعتماد الأنظمة الذكية القادرة على إنجاز مهام كانت تتطلب تدخلاً بشرياً مباشراً.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع الحديث المتنامي عن إعداد إطار قانوني مغربي خاص باستخدامات الذكاء الاصطناعي، يهدف إلى تنظيم هذا المجال وضمان الاستفادة من مزاياه مع الحد من مخاطره المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية والمسؤولية القانونية والشفافية الرقمية. كما يتقاطع هذا التحدي مع مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الذي يشكل أحد الأسس القانونية لحماية البيانات في البيئة الرقمية المغربية.
ويرى مختصون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في قدرة المجتمع على مواكبة هذا التحول من خلال التكوين المستمر، وتطوير المهارات الرقمية، وتأهيل الموارد البشرية لمهن المستقبل. فالتجارب الدولية أثبتت أن الثورات التكنولوجية لا تُلغي الوظائف فقط، بل تخلق في المقابل تخصصات ومهن جديدة لم تكن موجودة من قبل.

وفي ظل التسارع العالمي في هذا المجال، يبدو أن المغرب مطالب أكثر من أي وقت مضى بوضع رؤية متكاملة توازن بين تشجيع الابتكار وحماية فرص الشغل، وبين تسريع الرقمنة وضمان الأمن الرقمي وحماية المعطيات الشخصية. فنجاح الذكاء الاصطناعي لن يقاس فقط بمدى تطور التكنولوجيا، بل بقدرته على خدمة الإنسان وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة.

قد يعجبك ايضا
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق