*من صناعة المعرفة إلى تجارة الشهادات: هل فقدت الجامعة رسالتها؟*
فاطمة مسعودي
لم تعد الجامعة اليوم تواجه فقط أسئلة مرتبطة بجودة التكوين أو بملاءمة المناهج لسوق الشغل، بل أصبحت مطالبة بالدفاع عن شيء أكثر جوهرية: شرعية الشهادة نفسها. فحين تتواتر الأخبار عن شبكات للوساطة أو التلاعب أو بيع الشهادات العليا، لا يكون الأمر مجرد خرق قانوني معزول، بل مؤشرًا مقلقًا على وجود خلل أعمق يمس الثقة في المؤسسة الجامعية وفي القيمة الرمزية للمعرفة ذاتها.
لقد تأسست الجامعة تاريخياً باعتبارها فضاءً لإنتاج المعرفة وتكوين النخب العلمية والفكرية. وكانت الشهادة الجامعية تتويجاً لمسار من الاجتهاد والتحصيل والبحث. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها العقود الأخيرة أفرزت واقعاً مختلفاً؛ واقعاً أصبحت فيه الشهادة في كثير من الأحيان مطلوبة لذاتها، لا لما تعكسه من كفاءة أو معرفة.
هنا يبرز سؤال مزعج لكنه ضروري: ماذا يحدث عندما تصبح الوثيقة أهم من مضمونها؟ وماذا يحدث عندما تتحول الشهادة من دليل على الاستحقاق العلمي إلى وسيلة للترقي الإداري أو الاجتماعي أو المهني؟
إن خطورة قضايا التلاعب بالشهادات لا تكمن فقط في الأفعال المجرمة قانوناً، بل في ما تكشفه من تحولات صامتة داخل المجتمع. فالسوق السوداء للشهادات لا تنشأ في الفراغ، وإنما تزدهر عندما يصبح الطلب على الوثيقة أكبر من الطلب على المعرفة. فكلما ارتبطت فرص التوظيف والترقية والمكانة الاجتماعية بالشهادة أكثر من ارتباطها بالكفاءة الفعلية، ازدادت الإغراءات للبحث عن الطرق المختصرة للوصول إليها.
ومن هنا فإن اختزال المشكلة في بعدها الجنائي وحده قد يكون نوعاً من الهروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية. فالقانون يستطيع معاقبة المتورطين، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة الظروف التي تجعل مثل هذه الممارسات قابلة للظهور والتكرار. فالمشرع يتدخل عندما تقع الجريمة، أما المجتمع والمؤسسات فينبغي أن يتدخلا قبل أن تتشكل أسبابها.
لقد ظل الخطاب العمومي لعقود طويلة يربط النجاح بالشهادة الجامعية، حتى أصبحت هذه الأخيرة أشبه بجواز عبور نحو الاعتراف الاجتماعي. غير أن المفارقة تكمن في أن التضخم المستمر في أعداد الشهادات لم يرافقه بالضرورة تضخم مماثل في فرص الشغل أو في جودة التكوين أو في حجم البحث العلمي المنتج. فكلما ازدادت قيمة الشهادة كوثيقة إدارية، تراجع أحياناً الاهتمام بقيمتها المعرفية.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه القضايا لا تضر فقط بالأشخاص المتورطين فيها، بل تلحق ضرراً جماعياً بآلاف الطلبة والباحثين الذين قضوا سنوات طويلة في التحصيل العلمي. فالشهادة التي تُنال بالغش أو بالمال لا تسرق منصباً أو فرصة فقط، بل تسرق أيضاً الثقة العامة في الاستحقاق. وعندما تبدأ الشكوك في التسلل إلى قيمة الدبلوم، يصبح المتضرر الأول هو صاحب الشهادة النزيه الذي يجد نفسه مطالباً بإثبات كفاءته في بيئة فقدت جزءاً من ثقتها في الرموز الأكاديمية.
ومن زاوية قانونية، فإن حماية مصداقية الشهادات ليست مجرد مسألة تأديبية أو إدارية، بل ترتبط مباشرة بمبدأ دستوري جوهري هو مبدأ تكافؤ الفرص. فلا يمكن الحديث عن مساواة حقيقية بين المواطنين إذا كان بعضهم يصل إلى المناصب والمسؤوليات عبر الكفاءة والاجتهاد، بينما يصل آخرون عبر وسائل ملتوية. فكل شهادة مزورة أو مشكوك في مشروعيتها تمثل اعتداءً غير مباشر على الحق في المنافسة الشريفة وعلى فكرة الاستحقاق التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الحديثة.
غير أن النقاش لا ينبغي أن يقف عند حدود الرقابة والزجر والعقاب، بل يجب أن يمتد إلى مساءلة النموذج الذي أنتج هذا الواقع. فهل ما زالت الجامعة تُقاس بما تنتجه من معرفة وبحث علمي، أم بعدد الشهادات التي تمنحها سنوياً؟ وهل أصبح الطالب يبحث عن العلم أم عن الوثيقة؟ وهل تقيم الإدارات والمؤسسات الأشخاص بناء على كفاءاتهم الحقيقية أم بناء على ما تحمله ملفاتهم من دبلومات؟
إن أزمة الشهادات ليست في جوهرها أزمة وثائق، بل أزمة معنى. إنها أزمة مجتمع بدأ يفصل تدريجياً بين المعرفة والاعتراف، بين الكفاءة والمكانة، بين العلم والشهادة. وعندما يحدث هذا الانفصال، تصبح الجامعة مهددة بفقدان رسالتها التاريخية باعتبارها مؤسسة لإنتاج الفكر والمعرفة، لا مصنعاً لإنتاج الأوراق والألقاب.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه الوقائع لا يتعلق فقط بكيفية معاقبة المتورطين، بل بكيفية استعادة الثقة في قيمة الاستحقاق نفسه. لأن الجامعة التي تفقد قدرتها على حماية مصداقية الشهادة، لا تفقد مجرد وثيقة إدارية، بل تفقد جزءاً من شرعيتها الرمزية ومن دورها في بناء مجتمع يقوم على العلم والكفاءة والعدالة.