حين تنسى النقابة أنها مدرسة… وتكتفي بأن تكون مظلة أي دور مهني نريد؟
من الدفاع عن المنخرط إلى تأطيره
فاطمة امغينيف (x)
النقابة… أكثر من مجرد إطار للدفاع
تُعدّ النقابة إحدى المؤسسات الأساسية في الحياة المهنية، لما تضطلع به من أدوار في الدفاع عن الحقوق، وتمثيل العاملين، والتفاوض مع الإدارة وأرباب العمل، والمساهمة في تحسين شروط العمل وصون الكرامة المهنية. غير أن أهمية النقابة لا ينبغي أن تُختزل في الاحتجاج أو إصدار البيانات أو خوض الإضرابات، بل تتجاوز ذلك إلى بناء الوعي الجماعي، وتأطير المنخرطين، وترسيخ ثقافة المسؤولية والالتزام بالقانون وأخلاقيات المهنة.
فالنقابة، في جوهرها، ليست مجرد إطار تنظيمي يجمع عددًا من الموظفين أو العاملين حول مطالب مشتركة، وإنما هي أيضًا فضاء للتكوين والتثقيف والممارسة الديمقراطية. ومن خلال هذا الدور، يفترض أن تساعد المنخرط على فهم حقوقه وواجباته، واستيعاب القوانين المؤطرة لمهنته، والتمييز بين المطالبة المشروعة بالحق وبين السلوك الذي قد يتعارض مع القانون أو يسيء إلى المصلحة العامة أو يضر بحقوق الآخرين.
حين يتحول الدفاع إلى تبرير
غير أن الملاحظ في بعض التجارب النقابية المعاصرة أن هذا الدور التكويني والتأطيري قد تراجع بشكل واضح، مقابل تضخم الوظيفة الدفاعية الضيقة. فقد أصبحت بعض النقابات تنظر إلى المنخرط باعتباره طرفًا ينبغي الدفاع عنه في جميع الحالات، بصرف النظر عن طبيعة التصرف الصادر عنه أو مدى انسجامه مع القوانين والضوابط المهنية. وهكذا، يتحول الدفاع النقابي أحيانًا من وسيلة لحماية الحقوق إلى آلية لتبرير الأخطاء، أو التستر على السلوكيات غير السليمة، أو تقديم المنخرط دائمًا باعتباره ضحية، حتى عندما يكون مخطئًا أو متجاوزًا.
ولا شك أن الدفاع عن المنخرط يمثل وظيفة أصيلة للنقابة، غير أن هذا الدفاع لا ينبغي أن يكون أعمى أو مطلقًا. فالنقابة المسؤولة لا تبرر كل تصرف يصدر عن أحد أعضائها، ولا تعتبر الانتماء النقابي حصانة من المساءلة، بل تعمل على التحقق من الوقائع، واحترام القانون، وضمان شروط المحاكمة العادلة، مع توجيه المنخرط وتقويم سلوكه متى ثبت خطؤه. إن حماية المنخرط لا تعني إعفاءه من المسؤولية، كما أن مؤازرته لا تعني تبرير ممارسات غير مهنية أو غير أخلاقية.
المنخرط بين الحقوق والواجبات
ومن هنا تبرز الحاجة إلى استعادة النقابة لدورها التكويني. فالمنخرط لا ينبغي أن يكون مجرد رقم في لوائح الانخراط، أو اسمًا يُستدعى عند التعبئة، أو صوتًا يُستخدم في لحظات الاحتجاج، ثم يُترك دون توجيه أو تأطير. بل ينبغي أن يكون عضوًا واعيًا بحقوقه وواجباته، مدركًا لحدود ممارسته، وقادرًا على الدفاع عن مطالبه بوسائل قانونية ومسؤولة.
التكوين والتأطير… مسؤولية لا ترف
ويقتضي ذلك أن تعمل النقابة على تنظيم برامج منتظمة للتكوين والتثقيف، تشمل التشريع الاجتماعي، والقوانين المهنية، وأخلاقيات الوظيفة، وآليات الحوار والتفاوض، وطرق معالجة النزاعات، فضلًا عن توعية المنخرطين بأهمية احترام المؤسسات والالتزامات المهنية. كما ينبغي أن تفتح فضاءات للنقاش الداخلي، تسمح بتقييم الممارسات، ومراجعة الأخطاء، وتبادل التجارب، بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية أو البيانات الانفعالية.
النقابة القوية لا تخشى تقويم منخرطيها
إن النقابة القوية ليست هي التي تدافع عن منخرطيها مهما كانت مواقفهم، وإنما هي التي تملك الشجاعة الأخلاقية والمؤسساتية للتمييز بين الحق والباطل، وبين المظلمة الحقيقية والخطأ المهني، وبين الدفاع المشروع والتبرير غير المقبول. فالدفاع النقابي يفقد قيمته عندما يتحول إلى حماية للامتيازات أو إلى رفض دائم لأي مساءلة، كما يفقد مصداقيته عندما يُستخدم لتبرير تصرفات تسيء إلى صورة المهنة وإلى باقي العاملين.
من الدفاع عن الفرد إلى حماية المهنة والمصلحة العامة
ومن الضروري كذلك أن تدرك النقابات أن مسؤوليتها لا تقتصر على مواجهة الإدارة أو أرباب العمل، بل تشمل أيضًا المساهمة في إصلاح الممارسة المهنية من الداخل. فالنقابة التي تدافع عن حقوق العاملين مطالبة في الوقت نفسه بالدفاع عن جودة الخدمة، واحترام المرتفقين، وصون أخلاقيات المهنة، وتشجيع الانضباط والجدية. ولا يمكن بناء ثقة حقيقية بين النقابة والمجتمع إذا بدت النقابة وكأنها تحمي الأخطاء بدل أن تعمل على الحد منها.
أي نقابة نريد؟
لذلك، فإن السؤال الأساسي الذي ينبغي طرحه اليوم لا يتعلق فقط بعدد المنخرطين أو بحجم التعبئة، بل بمدى وعي هؤلاء المنخرطين، وبمستوى تكوينهم، وقدرتهم على ممارسة العمل النقابي باعتباره مسؤولية جماعية لا مجرد وسيلة للدفاع عن المصالح الفردية. فالنقابة التي تكتفي بتعبئة الأعضاء قد تنجح في تحقيق حضور عددي مؤقت، لكنها لن تنجح في بناء وعي نقابي مستدام.
إن إعادة الاعتبار للنقابة باعتبارها مدرسة للتكوين والتأطير أصبحت ضرورة ملحة. فهي مطالبة بأن تنتقل من منطق الدفاع التلقائي عن المنخرط إلى منطق الدفاع المسؤول عنه، أي الدفاع عن حقوقه المشروعة، مع توعيته بواجباته، وتنبيهه إلى أخطائه، ومساعدته على تصحيح ممارساته. فالمؤازرة الحقيقية لا تعني تبرئة المنخرط دائمًا، بل تعني الوقوف إلى جانبه من أجل ضمان حقوقه، وتعليمه احترام القانون، وتحميله مسؤولية أفعاله عندما يثبت خطؤه.
التأطير يصنع مناضلًا… والتبرير يصنع أزمة
إن النقابة التي تؤطر منخرطيها لا تكتفي بحماية الحاضر، بل تساهم في بناء مستقبل مهني أكثر وعيًا وانضباطًا. أما النقابة التي تبرر كل شيء باسم التضامن، فإنها قد تكسب ولاءً مؤقتًا، لكنها تخسر تدريجيًا ثقة المجتمع ومصداقيتها الأخلاقية.
فالنقابة ليست محاميًا لتبرير الأخطاء، ولا غطاءً لحماية السلوكيات غير الصائبة، بل هي مدرسة للوعي والمسؤولية، وفضاء للدفاع عن الحقوق في إطار احترام الواجبات والقانون. وكلما نجحت في الجمع بين المؤازرة والتقويم، وبين الدفاع والتكوين، وبين حماية المنخرط وصون المصلحة العامة، ازدادت قوة ومصداقية وتأثيرًا.
فالنقابة التي تدافع عن منخرطها دون أن تؤطره قد تحمي خطأً عابرًا، أما النقابة التي تؤطره وتقوّم سلوكه فتساهم في بناء إنسان مهني واعٍ، قادر على الدفاع عن حقوقه دون أن يتنكر لواجباته.
(x):متصرفة تربوية