اعتذارٌ بحجم وطن.. ينبضُ بالجميع ولا يضيق بأحد
بقلم: محمد الحاجي
هناك محطات في قطار العمر، لا نعود بحاجة فيها إلى تبرير مواقفنا، أو خوض معارك لإثبات صحة آرائنا. هي محطاتٌ تفرض علينا وقفة صدقٍ شجاعة أمام مرآة الذات؛ لنراجع ما قلناه، وما كتبناه، وما اقترفته أيدينا، ولنعلن بيقينٍ لا يتزعزع: أننا لسنا معصومين، وأن الخطأ طابعٌ بشري، لكن الاعتراف به مزية الأنقياء. واليوم، أشعر أن كلمة “أعتذر” لم تعد مجرد همسٍ داخلي، بل هي صرخة وعيٍ تستحق أن تُقال بملء الفم، وبأعلى صوت.
- أولاً: انحناءةٌ للينابيع الأولى
- أتوجه باعتذارٍ مغسول بالامتنان إلى والديّ، وإلى كل أب وأم أفنيا زهرة شبابهما، واحترقا كالشمع لتستقيم خطانا في الحياة. أعتذر عن صخب انشغالنا الذي سرقنا من دفء مجالسهم، وعن كلمات ثناءٍ بخلنا بها في زحام الأيام، وعن تقصيرٍ صغناه بوعينا أو فرضته علينا قسوة الالتزامات. أعتذر عن كل لحظة غرورٍ طفولي ظننا فيها أننا كبرنا بما يكفي لنستغني عن بوصلة نصائحهم، قبل أن ترمينا الأيام مجدداً في أحضان حكمتهم ومحبتهم الأبدية.
- والتحية موصولة لأساتذتي ومعلمي الفضلاء، وكل من غرس في طريقي حرفاً، أو قيمة، أو موقفاً نبيلاً. نغادر الفصول، وتأخذنا دروب الحياة الفسيحة، وقد ننسى أصحاب الفضل، لكن بصماتهم تظل محفورة في عمق شخصياتنا، وموجهةً لاختياراتنا ومساراتنا.
- ثانياً: عهد الدم والطفولة.. واعتذار لجيل الغدلإخوتي وأخواتي، شركاء السقف الواحد، والطفولة البريئة، والأحلام التي نمت معاً؛ أعتذر إن انتصرت الأنانية العابرة يوماً، أو إن خلقت المسافات ومشاغل العيش جفاءً لم نكن نتمناه. قد تختلف رؤانا، لكننا نلوذ دائماً بحقيقة واحدة: أننا أبناء قصة واحدة، يجري في عروقنا دمٌ واحد، ويحتوينا قلب عائلة لا ينقسم.
- ثم ألتفتُ إلى أبنائنا، جيل الغد الذي نتحمل مسؤوليته. أعتذر لهم لأن الحياة لا تمنح الآباء دائماً ترف الابتسام. أعتذر عن ملامح التعب التي سرقت مرحنا، وعن ساعات الانشغال التي حرمتهم من غيث اهتمامنا، وعن لحظات قسوةٍ عابرة لم تكن إلا وليدة إرهاقٍ وضغطٍ خارج عن الإرادة. هؤلاء الصغار يستحقون منا سقفاً من العطاء يعلو أحياناً فوق طاقتنا البشرية.
- ثالثاً: إنصاف حماة الثغور وصنّاع السلم الاجتماعي وفي سياق المراجعة والإنصاف، أجد لزاماً عليّ أن أتوجه باعتذارٍ صادق لكل رجل أمن، ولكل دركي، ولكل جندي مرابط على الحدود، ولكل فرد في القوات العمومية. هؤلاء الذين يغزلون من سهرهم خيوط طمأنينتنا، ويواجهون الصعاب بعيداً عن دفق عائلاتهم ليبقى الوطن آمناً مستقراً. نعم، من حقنا أن ننتقد الأداء، فالنقد البنّاء أكسجين الديمقراطية، لكن الإنصاف يفرض علينا ألا نغمط الناس أشياءهم، وأن نعترف بأن بين هذه البدلات العسكرية والمدنية رجالاً ونساءً يذوبون إخلاصاً وتضحية فداءً للمصلحة العليا.
- ويمتد هذا الإنصاف ليشمل الفاعلين والسياسيين النبلاء؛ أولئك الذين ولجوا معترك العمل العام مدفوعين بغيرة وطنية صادقة، لا ببحثٍ عن غنيمة أو مصلحة ذاتية. أولئك الذين يتحملون صخرة المسؤولية وضريبة القرار المقيد بالإكراهات. في زمنٍ سادت فيه الأحكام المتسرعة، سقطنا أحياناً في فخ “التعميم الظالم” بسبب صورة سلبية عابرة أو موقف معزول، فخلطنا الصالح بالطالح، واعتذارنا لهؤلاء الشرفاء هو رد اعتبارٍ لواجب الوقت.
- رابعاً: شرفاء الوظيفة وبسطاء الأرض
- أعتذر لكل موظف شريف، وعامل بسيط، ومسؤول يراقب الله في مسؤوليته ويؤدي واجبه بضمير حي، ثم وجد نفسه يوماً ضحية “اتهام جماعي” أفرزته منصات التواصل أو غضب عابر. إن العدالة الأخلاقية تقتضي منا التمييز الحاسم بين المفسد والمصلح، وبين المقصر والمجتهد.
- كما أتقدم باعتذار شخصي لكل إنسان أخطأت في حقه بكلمة جارحة، أو حكم متسرع، أو موقف فج؛تعبير خائن، خطأ مطبعي متسرع ،سوءاً كان ذلك بوعي مني أو بغير قصد. فالمرء قد يعميه التوهم بامتلاك الحقيقة المطلقة، ليتبين له لاحقاً أنه لم يكن ينظر للأمور إلا من ثقب إبرة ضيق.
- خامساً: لوحة الوطن الكبرى.. التنوع قوة
- إذا كان هناك اعتذارٌ يبلع كل ما قبله، فهو اعتذارٌ بحجم هذا الوطن العظيم؛ الوطن الذي يتسع للجميع على تنوع مشاربهم، واختلاف أفكارهم، وتعدد مواقعهم. هذا الوطن ليس ملكية خاصة لطيف دون آخر، بل هو صرحٌ جماعي لا يُبنى إلا بتلاحم السواعد: من الفلاح المعفر بتراب أرضه، إلى العامل القابض على جمر مصنعه، إلى الأستاذ المحترق في قسمه، إلى الطبيب الساهر في مشفاه، إلى الجندي الساهر في ثكنته، وصولاً إلى كل مسؤول يخدم الصالح العام بوفاء.
- إن الاعتذار في أدبيات الكبار ليس انكساراً أو هزيمة، بل هو انتصار مدوٍّ على الغرور والصلف. ليس ضعفاً، بل هو طاقة أخلاقية كبرى تعيد الإنسان إلى نقائه الأول وتجعل أرقى وأقرب إلى نبل الإنسانية.
- خاتمة: انحناءة للقلوب الكبيرة
- وفي الختام، أهدي تحية إجلال خاصة لكل من أسأتُ إليه يوماً، ففاجأني بقلبٍ يتسع للمغفرة، وبأخلاق الملوك في التسامح والترفع. لكل من قابل زلتي بالعفو، وتسرعي بالحكمة، وجفائي بالصفح الجميل… شكراً لكم، لأنكم كنتم بأنفسكم الكبيرة أفضل بكثير مما استحقته مواقفي في تلك اللحظات…