حقيقة أحداث المغرب “جيل زد 212” الحركة غير المعلنة

تقرير/ عبد النبي الشراط

جلالة الملك محمد السادس حفظه الله

ليس كما جرى سنة 2010، حيث كانت حركة 20 فبراير مكشوفة ومعروفة للجميع، حتى قادتها الحقيقيين و”القادة” السياسيين الذين حاولوا الركوب على ظهر الحركة وقد ركبوا فعلا ظهور أعضائها ودجنوا قادتها بسرعة، حتى أن جزءً منهم تقدموا للانتخابات اللاحقة تحت يافطات أحزاب سياسية، كما أن عددا من قادة “20 فبراير” استفادوا من وظائف جيدة، وبعضهم استفاد من علاقته المباشرة بالسفارة الأمريكية بالرباط حيث كانوا يتلقون التوجيهات منها، وبعد استقرار الأوضاع سافر بعضهم إلى الولايات المتحدة بتأشيرة تفضيلية وإقامة لمدة 10 سنوات بينما لم يكن أحدهم يملك درهما واحدا في حسابه البنكي !
وكما في الماضي استفاد أغلب “المناضلين” السياسيين من عطاءات الدولة تحت مسمى “هيئة الإنصاف والمصالحة” واستفادوا أيضا من وظائف كبيرة في الدولة حتى بدرجة سفير وسفراء الخ..
نفس القصة تكررت مع “مناضلي 20 فبراير” فكل القادة الذين كانوا يحملون على الأكتاف ويصرخون علنا بشعار: “الشعب يريد إسقاط النظام” بينما الشعب لم بطالب أبدا بإسقاط نظامه رغم كل الإكراهات والظروف التي يعيشها قطاع كبير من الشعب، الذي دوما كان ولا زال يرغب في الاستقرار تحت القيادة الملكية ولا شيء غيرها.
الآن نحن أمام حركة أنتجتها “وسائط التواصل الاجتماعي” واستطاعت أن تجد لها موطئ قدم في صنع الأحداث. هذا بحد ذاته إيجابي، لكنها تبقى “حركة” بدون “قادة” حتى البيانات التي تصدرها غامضة ورقيقة وبعض عباراتها غير مفهومة، فضلا عن أن تلك البيانات غير موقعة، وقد اتخذت الحركة الجديدة النجمة الحمراء شعارا لها مع كتابة الحروف الأولى للحركة بالفرنسية بجانب النجمة الحمراء، واختارت الحركة الجديدة فقرة افتتاحية مختلفة تبدأ بها بلاغاتها النارية (بسم الوطن) بما يعني أن حركة “جيل زد 212” سمحت لنفسها التحدث باسم كل المواطنين الذين يعيشون داخل هذا الوطن دون استشارتهم حتى.
وبدلا من شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” الذي كانت تتلفظ به حركة “20 فبراير” اختارت [جيل زد] شعارا منافسا تحت مسمى: “الشعب يريد إسقاط الفساد” وهو شعار ذكي من جيل ما بعد التسعينيات من القرن الماضي.
وبعودتنا إلى الأحداث التي قيل أنها صناعة خالصة لهذه الحركة. فالحقيقة أن التظاهرات والاحتجاجات بدأت قبل الثامن والعشرين من شهر سبتمبر / أيلول الفائت، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الاحتجاجات التي عرفتها منطقة إقليم تاونات شمال المملكة قبل هذا التاريخ بأسابيع، حيث نظمت احتجاجات متعددة بتاونات كان موضوعها المطالبة بتحسين الخدمات الطبية، حيث لا توجد هناك مستشفيات على الإطلاق بل توجد بنايات تدعى زورا “مستشفيات” أو مراكز صحية، وتطورت تلك الاحتجاجات لتشمل مناطق أخرى داخل إقليم تاونات نفسه، كما جرى يوم 27 سبتمبر/ أيلول بمدينة تيسة التي تتبع لنفس الإقليم.
وكذلك المسيرة التي نفذها سكان جماعة “بوعروس” بإقليم تاونات أيضا”، سيرا على الأقدام وكانت متجهة لولاية فاس بعد ما صم عامل (محافظ) إقليم تاونات “صالح دحا” آذانه ورفض التحاور مع المحتجين ولا حتى استقبالهم، فقرر السكان التوجه لولاية فاس لكن السلطات الأمنية منعتهم بالقوة من إكمال مسيرتهم لفاس وباتوا في منطقة “واد يناون” في العراء، وبعد عودتهم تم استقبالهم من طرف العامل/ المحافظ الذي رفض الاستماع لمطالبهم بداية الأمر، ويبدو أن المحافظ تلقى تعليمات صارمة من جهات في الدولة لاستقبال المحتجين، وبغض النظر عن تنفيذ المطالب من عدمها فإن محاولة إسكات الناس كانت هي الأساس بالنسبة لسلطات إقليم تاونات، التي شرعت في ممارسة عملية انتقامية ضد التجار وأرباب المقاهي بمدينة تاونات، عبر انتزاع ممتلكاتهم تحت يافطة تحرير الملك العمومي وهو سلوك غير متحضر بالدرجة الأولى.
كل هذه الاحتجاجات أطرتها “لجنة نداء الكرامة” التي يقودها شباب ومثقفون من أحزاب وجمعيات يسارية بالمنطقة، لكن هذه اللجنة لم بسلط عليها الإعلام “أضواءه” مثلما حصل لحركة “جيل زد” التي أعطى لها الإعلام أكثر من حجمها. بينما لجنة الكرامة استطاعت أن تكسر جدار الصمت في منطقة جبلية نائية بعيدة عن المشهد الحضاري بآلاف الأميال وتمارس فيها السلطة كل أنواع القمع والإرهاب ضد السكان، ويمكن اعتبارها منطقة محكومة بمنطق “ديكتاورية ستالين” الذي حكم الاتحاد السوفييتي السابق بالنار والحديد، ومع ذلك استطاعة حركة “لجنة نداء الكرامة” أن تقول: لا للديكتاتورية، لا للقمع، لا لإرهاب السلطة، فكانت بحق حركة احتجاجية سلمية حضارية متفردة، حتى أن السلطة سخرت بعض الجمعيات المدنية التي تتلقى أموالا من خزينة الشعب، سخرتها السلطة للتنديد بالوقفات الاحتجاجية، بل سخرت أيضا بعض وسائل الإعلام المحلية كي لا تنشر أخبارا عن الاحتجاجات.
حركة لجنة نداء الكرامة تميزت بأن قادتها معروفين وبيانتهم المشتركة توقع بالأسماء والصفات، بينما لا نجد ذلك في حركة “جيل زد” المجهولة الهوية والتي ركزت على المدن الكبرى في تحركاتها واحتجاجاتها، وكأن البادية المغربية تنعم بالرخاء والرفاهية، وهي تسير في هذا مسير الأحزاب السياسية التي لا تعطي للبادية أهمية ولا تعير سكانها اهتماما يذكر، فما جديدها إذن؟
بالرجوع ل”معجزة شباب جيل زد 212″ يجب أن نتوقف عند المطالب أولا.
تجويد الخدمات الصحية وخدمات التعليم والبنية التحتية كانت وما زالت هي مطالب الشعب كله منذ ستينيات القرن الماضي، وقد قامت انتفاضات شعبية متعددة للمطالبة بالإصلاحات العميقة، وكانت مطالب الماضي أكبر بكثير من مطالب اليوم، وفي كل انتفاضة كانت تحصل اعتقالات ومضايقات واعتداءات جسدية على المتظاهرين والزج بهم في السجون والمعتقلات، بمعنى أن [جيل زد] لم تأتي بجديد يذكر، وقد سبق أن ذكرنا باحتجاجات تاونات الحضارية والسلمية فما الجديد إذن؟
لا شك أننا نتفق مع الحركة الجديدة في مطالب الصحة والتعليم، وهي مطالب قديمة وليست جديدة، لكن التضخيم الإعلامي العالمي والإقليمي أعطى الحركة أكثر من حجمها، فأغلب المتحدثين باسمها لا يجيدون حتى الحديث مع وسائل الإعلام، وبياناتهم كلها ركيكة وغير دقيقة، كما أن قيادات هذه الحركة مجهولة الهوية وغير معروفة للشارع، وكلهم يصدرون الأوامر من وراء ستار “السوشل ميديا” وفي ليلة أمس ثاني أكتوبر الجاري قيل أنهم اجتمعوا ليقرروا شيئا وجرت بينهم خلافات في الرؤى والتصورات فقام فريق بطرد فريق من الاجتماع، لمجرد الاختلاف في وجهات النظر فأين هي الديموقراطية أولا، وتحمل وجهات نظر أخرى؟ اختلفوا فقط من يتم انتدابه للحوار مع الحكومة، وقد صاغوا بعد ذلك بيانا موجه لملك البلاد بطالبونه بإقالة الحكومة كلها وحل البرلمان! وهذا يعني أنهم ليسوا على اطلاع بالدستور الذي صوت عليه المغاربة سنة 2011، فالحكومة رغم اختلافنا معها هي منتخبة عبر صناديق الاقتراع، بالتالي إما أن تكون هناك انتخابات سابقة لأونها أو ننتظر حتى الانتخابات القادمة، وبالمناسبة أنا أتساءل إذا كان هؤلاء الشباب يفهمون في السياسة أم لا؟ بالتالي هل هم مسجلون في اللوائح الانتخابية حتى يتمكنوا من التصويت على من يشاؤون ويغيرون الأوضاع بشكل ديموقراطي وحضاري، وأنا لا أعتقد أنهم أو جلهم على الأقل مسجلين في اللوائح الانتخابية، خاصة وأنهم يمثلون الفئات العمرية بين 13 سنة و28سنة، وأن الفئة العمرية الأولى في حكم “القاصرين” فكيف يسمح الشعب للأطفال بتقرير مصيره؟ هذه معضلة أولى.
الثانية أشك حتى الفئة العمرية الثانية مسجلة باللوائح الانتخابية، يعني “غرغرة بدون طحين”.
مخلفات الحركة:
صحيح أن الشباب سلميين ويعلنون رفض العنف، وهذا سلوك إيجابي، لكن وكما نعلم في كل حركة سلمية تحصل انفلاتات وهو ما حصل خلال هذه المسيرات والاحتجاجات والأحداث الأليمة التي جرت في مدينتي “سلا وإنزكان” وهذه الأحداث نبرئ منها “جيل زد” لكن آخرين استغلوها لممارسة العنف والبلطجة (تم إحراق أبناك ومكاتب بريد ومحلات تجارية كبرى وصغرى وتم نهب محتوياتها) وهذا يذكرنا بأحداث 1990 بمدينة فاس، نفس السيناريو يتكرر الآن.
نحن مع المطالب العادلة للشعب، لكن نحن ضد السرقة وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، فالكثير من الناس تم إحراق سياراتهم، فما ذنبهم؟ وإذا كانت الشرطة قد ارتكبت أخطاء في بداية الاحتجاجات فقامت باعتقال المئات من الشباب فإن القضاء المغربي صحح الوضع وأطلق سراحهم جميعا، لكن المخربين الذين اعتقلتهم قوات الأمن أمس فنطالب بإنزال أقسى العقوبات ضدهم، باعتبارهم مخربين ومجرمين وقطاع طرق.
كذبة هروب الملك:
ذلك ما سنجيب عنه في الحلقة الثانية من هذا التقرير.
مساءً كنت أتابع ما يجري عبر الاتصالات الهاتفية والرد على أصدقائي من مختلف أنحاء العالم العربي وخصوصا من مصر وتونس، حيث الأصدقاء والزملاء هناك كانوا مهتمين جدا لأحداث المغرب انطلاقا من خوفهم على هذا البلد الذي ينعم بالأمن والاستقرار وبطبيعة الحال كنت أطمئنهم وأنقل لهم الواقع كما هو، وليس كما ينشر في فضاءات هذا العالم الرقمي المزيف بالإضافة لمواقع إلكترونية حيث بالغت في نشر الأكاذيب، فكان أصدقائي وزملائي يعبرون عن ارتياحهم حينما كنت أبلغهم الحقيقة كما هي.
وبهذه المناسبة أحيي صديقاتي وأصدقائي، زميلاتي وزملائي لاهتمامهم بالمغرب وأهل المغرب، حتى أن زميلة صحفية مصرية كتبت على جدارها هنا قائلة: “إن هذا البلد (المغرب) جنة الله على الأرض فلا نريد أن نخسرها، بينما زميل مصري آخر بدا متوترا وهو يسألني عن حقيقة ما يجري وكأنه يسأل عن بلده مصر، وحين أبلغته بحقائق الامور تنفس الصعداء وقال الحمد لله طمنتني”
ومن تونس كان الكثير يسأل حتى أن زميلة وصديقة قالت لي بالحرف “ننتظر مقالا منك لنعرف الحقيقة…” وهاأنا أوفي بوعدي لها ولبقية الزملاء والأصدقاء وأأكد لهم / لهن جميعا بكل ثقة: أن لا خوف على المغرب ما دامت فيه ملكية حكيمة تواجه الأزمات الصعبة بإرادة وطنية خالصة.
وبالعودة إلى (إعلام العار) وبالموازاة مع حديثي مع الأصدقاء العرب. كنت أقرأ الأكاذيب التالية:
فيما الملك محمد السادس حفظه الله يحيي ذكرى وفاة والده الحسن الثاني بضريح جده محمد الخامس، وتم نقل الزيارة عن طريق وسائل الإعلام الرسمية وغيرها، كانت خفافيش الإعلام السيء تدعي باطلا أن الملك هرب رفقة أسرته عبر مطار سلا، وأنه غادر إلى وجهة مجهولة… وكذا، والكثير من مثل هذه الأكاذيب حتى لا أقول أخبار، حتى أن قناة تلفزيونية تتبع لدولة مجاورة، نشرت على صغحتها على فيس مثل هذا الكذب وبصيغ مختلفة، وفي إحدى نشراتها الإخبارية المتلفزة كان المذيع يتلذذ بترديد عبارات من قبيل: الجيش المغربي يواجه الثوار المحتجين بالرصاص الحي، فيما تأكد بما لا يدع مجالا للشك، بأن الحالة الوحيدة التي تم فيها استخدام السلاح حدثت بنواحي مدينة إنزكان حينما أصرت عصابة ملثمة على اقتحام مخزن للذخيرة تابع للدرك الملكي، وقامت بإحراق سيارات تتبع لذات الجهاز الأمني (الدرك الملكي) وتبين بعد التحقيقات أن هؤلاء يمثلون جبهة البوليساريو الإرهابية، حيث أرادت هذه المنظمة الإجرامية استغلال الأحداث والسطو على الاحتجاجات السلمية التي نظمها شباب مغاربة، وهي احتجاجات تدخل في إطار حرية الرأي والتعبير والمطالب بالحقوق المشروعة كما يحدث في أميركا وفرنسا وإسبانيا وغيرها من الدول.
الآن الوضع جد مستقر ولا خوف على المغرب، نحن كمغاربة نختلف فيما بيننا، ونتحاور ونتناظر، نعارض الحكومة ونتتقد البرلمان والمسؤولين بشدة، لكن لا يمكن لأي مغربي سليم الوطنية وسليم العقل أن يساهم في تخريب بلده، وأن الملك محمد السادس ليس هو بشار الأسد، ولا زين العابدين بن علي.
والسلام على من اتبع الهدى.
الرباط: 3 أكتوبر / تشرين الأول 2025.

قد يعجبك ايضا
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق