أبو قرون… حين بصق في وجه الحياد وركل الصمت برجله
✍️ اعتصام عثمان
في بلدٍ أنهكته الانقسامات، وتاهت فيه البوصلة الوطنية بين المصالح الضيقة والولاءات المتقلبة، خرج صوتٌ لا يشبه الضجيج المعتاد. صوتٌ لا يطلب التصفيق، ولا يغازل الجمهور، ولا يبيع الكلام في سوق المزايدات. إنه صوت اللواء رضوان أبو قرون، الذي قرر أن يقول “كفى” حين كان الجميع يهمس “ربما”.

في لحظةٍ كانت فيها البلاد تتأرجح على حافة الانهيار، وبينما كانت الميليشيات تعبث بالمؤسسات، وتعيد تشكيل الجغرافيا السياسية على أساس القوة لا القانون، اختار أبو قرون أن يخلع رداء الصمت، وأن يواجه الحقيقة كما هي: الوطن يُذبح، والحياد خيانة.
لم يكن في الخدمة. لم يكن مكلفًا. لم يكن مدفوعًا من جهة. لكنه خرج، بكامل إرادته، ليقولها بصوتٍ لا يرتجف:
*”أعتذر للشعب السوداني، وأطلب العفو من القوات المسلحة، لأعود إلى صفوفها وأدافع عن الوطن ضد ميليشيات التمرد.”*
هل تدركون معنى أن يطلب قائدٌ العفو من مؤسسته؟ أن يتنازل عن كبريائه العسكري ليعود إلى الميدان؟ هذا ليس موقفًا عاطفيًا، بل إعلان حرب على كل ما هو زائف، وكل ما هو رمادي.
رضوان أبو قرون لم يكن مجرد ضابط سابق. كان ضميرًا حيًا في زمن التخدير. كان موقفًا نقيًا في زمن التلوّن. حين اختار العودة، لم يطلب امتيازات، ولم يفاوض على شروط. بل انخرط في معسكرات الاستنفار، ووقف في الصفوف الأمامية، لا في الصفوف الخلفية حيث تُلتقط الصور وتُصاغ البيانات.
وفي وقتٍ كانت فيه بعض القيادات تتحدث عن “الحوار”، و”التهدئة”، و”الحياد الإيجابي”، خرج أبو قرون ليقولها بلا تجميل:
*”الضعيف يجب أن يُبادل على بكرة طبيعية.”*
كلمة تحمل في طياتها رفضًا للتمييز، ورفضًا للجهوية، ورفضًا للانتقائية التي مزقت السودان. كان يدعو إلى العدالة، لا إلى المحاصصة. إلى التكاتف، لا إلى التنازع. إلى وطنٍ واحد، لا إلى أوطانٍ داخل الوطن.
هذا الرجل لم يكتف بالتصريحات. بل أعلن انضمامه لحركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وصرّح:
*”وجدت في مقاتلي حركة التحرير القوة والثبات والتضحية والوطنية… لم أجد العدالة سوى في هذا التنظيم.”*
كلمات لا تُقال من باب المجاملة، بل من باب القناعة. قناعة بأن السودان يحتاج إلى جيش وطني، لا إلى جيوش متناحرة. قناعة بأن المستقبل لا يُبنى على الولاءات الضيقة، بل على الانتماء الحقيقي.
في معارك رهيد النوبة بشمال كردفان، كان أبو قرون حاضرًا. لا كمراقب، بل كمقاتل. لم يكن يكتب تقارير، بل كان يكتب التاريخ بدمه. لم يكن يخطط من بعيد، بل كان في قلب النار، يواجه الموت بوجهٍ مكشوف، ويقول للميليشيات: “لن تمروا”.
في فيديوهات متداولة، يظهر أبو قرون وهو يخاطب الشعب، لا بلغة النخبة، بل بلغة الأرض. يتحدث عن ضرورة دعم كل القبائل والمناطق بشكل متساوٍ، ويشدد على أن السودان لا يُحمى إلا إذا شعر كل فرد فيه بأنه جزءٌ من الحل، لا مجرد رقم في معادلة سياسية.
هذا النوع من الخطاب لا يُعجب أصحاب المصالح. لا يُرضي من يفضلون التوازنات الهشة. لكنه يُرضي الضمير، ويُوقظ الوعي، ويُعيد تعريف الوطنية.
رضوان أبو قرون لم يكن بطلًا من ورق، ولم يكن قائدًا يبحث عن الأضواء. كان صوتًا صادقًا في زمن التزييف. كان موقفًا نقيًا في زمن التلوّن. وكان درسًا حيًا في الوطنية، لكل من ظن أن الدفاع عن الوطن يبدأ من خلف المكاتب.
في زمنٍ باتت فيه الانقسامات تهدد وحدة البلاد، وفي لحظةٍ صار فيها الوطن رهينة للمصالح، جاء موقف أبو قرون ليعيد تعريف البطولة. البطولة ليست في عدد الأوسمة، بل في عدد المواقف. والقيادة ليست في عدد الأتباع، بل في عدد المرات التي قلت فيها “لا” حين كان الجميع يقول “نعم”.
ولأن الجرأة لا تُقاس بالصوت المرتفع، بل بالموقف الثابت، فإن رضوان أبو قرون يستحق أن يُكتب عنه، لا كقائد عسكري فقط، بل كرمزٍ للوضوح في زمن الضباب. كمنارةٍ في بحرٍ من التردد. كصفعةٍ في وجه الحياد.
في بلادٍ اعتادت أن تُكافئ المترددين وتُهمّش الشجعان، جاء رضوان أبو قرون ليكسر القاعدة. لم ينتظر تصفيقًا من أحد، ولم يطلب وسامًا من جهة. بل صنع وسامه من نار المعركة، وكتب اسمه في سجل الرجال الذين لا يبيعون الوطن مقابل منصب أو مكسب.
هذا القائد لم يرفع شعارات فارغة، بل رفع بندقيته في وجه الخذلان. لم يختبئ خلف بيانات سياسية، بل واجه الميليشيات بوجهٍ مكشوف. لم يطلب إذنًا ليكون وطنيًا، بل فرض وطنيته على الواقع، وعلى التاريخ، وعلى كل من تردد في اللحظة التي كان يجب أن يُحسم فيها الموقف.
فليعلم الجميع: الوطن لا يُحمى بالحياد، ولا يُستعاد بالصمت، ولا يُبنى بالتردد. الوطن يُحمى برجالٍ مثل رضوان أبو قرون… رجالٍ لا يخافون الحقيقة، ولا يهربون من النار، ولا يساومون على الكرامة. وإذا كان في هذا البلد من لا يزال يعتقد أن الحياد فضيلة، فليقرأ سيرة أبو قرون، وليخجل من نفسه.
رضوان أبو قرون فعلها. بكل وضوح. بكل جرأة. بكل كرامة.
وأنا كصحفية لا أكتب لأُرضي جهة، ولا أُساير سلطة، ولا أُجامل جمهورًا. أكتب لأن هناك وطنًا يُذبح، وهناك رجالٌ يرفضون أن يكونوا شهود زور. رضوان أبو قرون لم يكن مجرد قائد، بل كان صفعة في وجه كل من اختار الحياد، وكل من باع موقفه في سوق المصالح. وإن لم نكتب عنه اليوم، فسنكتب غدًا عن سقوطنا جميعًا، لا لأننا خسرنا المعركة، بل لأننا خسرنا الشجاعة. لأننا خسرنا القدرة على قول الحقيقة، وخسرنا شرف الانحياز للوطن حين كان الوطن ينزف.