الثورة الفرنسية وجوانبها المطموسة
بقلم / محمد القاضي
أغلب الناس يعتقدون أن الثورة الفرنسية إنجاز تاريخي بطولي في فرنسا وأنه بفضلها تحرر الشعب الفرنسي من الديكتاتورية الكاثوليكية والاستعباد …
ولكن النقطة الجوهرية التي نتغافلها هي أن تاريخ هذا التغيير في البنية السياسية الفرنسية، كتبه المنتصرين بالطريقة التي أرادوها هم ؛ ولا علاقة لها بالحقيقة ..
فعندما نطلع على مراجع أخرى نجد أن الثورة الفرنسية لها خلفيات أخرى غير التي كتبوها لنا..
قبل سنة 1789 كانت الدولة الفرنسية تأخذ قروضا من الابناك دون فوائد وترفض أداء هذه الفوائد على اعتبار أن المؤسسة الدينية الكاثوليكية كانت تعتبر هذه الفوائد ربوية أي غير جائزة..
وهذا القرار -أي حرمان البنكيين من الفوائد- ثار ثائرتهم وأجج غضبهم ؛ ومن ثمة بدؤوا يخططون للاطاحة بنظام الحكم في عهد الملك لويس السادس عشر ..
ومن أهم الخطط التي ركز عليها البنكيون والبورجوازيين في مخططهم هو قيامهم باختراق الطبقة العمالية عبر ممثليها (بالرشاوي والاغراءات) وبناء تحالفات معها وإطلاق إشاعات بين الناس مفادها أن الملك لويس السادس عشر يمارس زنا المحارم بهدف تأليب الرأي العام ضده خصوصا وأن جريمة “زنا المحارم” كانت تصنف ضمن الجرائم الكبرى في عهد النظام الملكي والكاثوليكي..
ونظرا لسنوات القحط والجفاف التي أصابت فرنسا في ذلك الوقت- اي قبل اندلاع الثورة- وبروز عوامل الضغط الاجتماعي (فقر؛ جوع ؛ اضطرابات اجتماعية؛ ) واستياء شعبي ؛ خصوصا وأن رجال الدين والطبقة الأرستقراطية كانوا يتمتعون ببحبوحة العيش والمخمخة ..
كل هذه العوامل استغلها أعداء النظام لصالح مخططهم ، وشكلت أرضية خصبة لانطلاق ثورة ضد نظام لويس السادس عشر ورجال الدين وتأجيج الاستياء الشعبي…
ولأجل امتصاص هذا الغضب الشعبي ؛ تمت صياغة مطالب التغيير من خلال أفكار تنويرية وساهمت في انعقاد مؤتمر الجمعية العامة في مايو 1789.
كل هذه العوامل استغلها أعداء النظام لصالح مخططهم ، وشكلت أرضية خصبة لانطلاق ثورة ضد نظام لويس السادس عشر ورجال الدين وتأجيج الاستياء الشعبي…
لكن هذه الخطوات لم تغير من الواقع شيئا ؛ إذ أن طليعة من “الثوار” نفذوا يوم 14 يوليوز 1789 أول عملية ميدانية لهم تمثلت في اقتحام سجن الباستيل بالرغم من ان عدد نزلائه لم يكن يتجاوز ستة أشخاص.. ولكن كانت له رمزية مهمة عند السلطة الحاكمة.. لتعقبها بعد ذلك مسيرات احتجاجية واشكال نضالية تصعيدية أجبرت نظام لويس السادس عشر في غشت 1789 على إلغاء نظام الإقطاع والقواعد والامتيازات القديمة التي خلفها حكم أترافي.
ومع ذلك فإن هذه التنازلات لم تشفع له؛ إذ أن البورجوازيين والبنكيين استمروا في مخططهم الانقلابي او “الثوري” لأجل إزالة نظام لويس 16 ورجال الدين ..
وبتاريخ 21 يناير 1793 تم اقتحام قصر لويس السادس عشر واعتقاله واقتياده الى ساحة الكونكورد بباريس العاصمة وإعدامه بواسطة المقصلة ؛ ليتم الاعلان بشكل رسمي عن سقوط النظام الفرنسي الكاثوليكي…
ليبدأ بعدها مخطط دموي خطير للغاية؛ حيث تم تكليف ممثلي الطبقات العاملة بتصفية كل من يتعاطف مع رجال الدين ومع لويس السادس عشر؛ فتم تنفيذ مجازر جماعية بجميع الوسائل التي لم تخطر على بال أي إنسان (عبر قطع الرؤوس؛ عبر الرمي في الانهار الكبيرة ؛ عبر الحرق وعبر الإعدامات الجماعية…).
وبعد ذلك سيتدخل الصناع الحقيقيون لهذه الثورة ؛ سيشرعون في تصفية ممثلي الطبقة العمالية الذين نفذوا عمليات الإعدامات بنفس الطريقة التي نفذوها هم على الآخرين ؛ لإبعاد تهمة إبادة الناس عنهم ولإعطاء الانطباع للناس بأنهم إنسانيون ومتنورون …
خلال هذه المرحلة التاريخية من تاريخ فرنسا؛ بزغ نجم ضابط عسكري اسمه “نابوليون بونابارت” الذي ينحدر أصله من إيطاليا؛ لما كان يتميز به من فطنة ودهاء ومكر وذكاء؛ حيث وجد فيه صناع الثورة ضالتهم ؛ وعن طريقه قاموا بشن عدة حملات عسكرية ضد أعداء فرنسا (اي حلفاء نظام لويس السادس عشر)؛ وحققوا انتصارات باهرة .
نابوليون بونابارت كان قنصلا عاما لفرنسا ؛ وبفضل حنكته ودهائه السياسي؛ تم تعيينه إمبراطورا عاما في العقد الأول من القرن التاسع عشر، حيث كان لأعماله وتنظيماته تأثيرًا كبيرًا على السياسة الأوروبية.
هيمن نابليون على الشؤون الأوروبية والدولية خِلال فترة حُكمه، وقاد فرنسا في سلسلة انتصارتٍ مُبهرة على القوى العسكريَّة الحليفة التي قامت في وجهها، فيما عُرف بِالحُرُوب النابليونية، وبنى إمبراطوريَّةً كبيرة سيطرت على مُعظم أنحاء أوروبَّا حتَّى سنة 1815 عندما سقطت وتفكَّكت.
أما غزواته في باقي بلدان العالم وتحديدا في شمال افريقيا ومصر وآسيا ؛ فحدث ولا حرج…
ولازالت فرنسا إلى يومنا هذا تنهج سياسة الاستعمار ونهب ثروات الشعوب والقضاء على أي نظام يتبنى الديمقراطية وتطوير اقتصاده بدليل تدخلاتها اللاشرعية في شؤون العشرات من بلدان افريقيا.
بونابارت نابليون لم يكن سوى دمية في يدي صناع “المجزرة الفرنسية” اي ما يسمى ب”الثورة الفرنسية”، ينفذون من خلاله مشاريعهم الإستعمارية بحثا عن الكنوز والثروات…ووضع اللبنات الأساسية للسيطرة على العالم…